الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
231
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
القديم ، وإن كان العلم صفة ذات إضافة أي ذات تعلّق ، فالتغيّر يعتري تعلّقها ولا تتغيّر الصّفة فضلا عن تغيّر الموصوف ، فعلم اللّه بأن القمر سيخسف ، وعلمه بأنّه خاسف الآن ، وعلمه بأنّه كان خاسفا بالأمس ، علم واحد لا يتغيّر موصوفة ، وإن تغيّرت الصّفة ، أو تغيّر متعلّقها على الوجهين ، إلّا أن سلف أهل السنّة والمعتزلة أبوا التّصريح بتغيّر التعلّق ولذلك لم يقع في كلامهم ذكر تعلقين للعلم الإلهي أحدهما قديم والآخر حادث ، كما ذكروا ذلك في الإرادة والقدرة ، نظرا لكون صفة العلم لا تتجاوز غير ذات العالم تجاوزا محسوسا . فلذلك قال سلفهم : إنّ اللّه يعلم في الأزل أنّ القمر سيخسف في سنتنا هذه في بلد كذا ساعة كذا ، فعند خسوف القمر كذلك علم اللّه أنّه خسف بذلك العلم الأوّل لأنّ ذلك العلم مجموع من كون الفعل لم يحصل في الأزل ، ومن كونه يحصل في وقته فيما لا يزال ، قالوا : ولا يقاس ذلك على علمنا حين نعلم أنّ القمر سيخسف بمقتضى الحساب ثمّ عند خسوفه نعلم أنّه تحقّق خسوفه بعلم جديد ، لأنّ احتياجنا لعلم متجدّد إنّما هو لطريان الغفلة عن الأول . وقال بعض المعتزلة مثل جهم بن صفوان وهشام بن الحكم : إنّ اللّه عالم في الأزل بالكلّيات والحقائق ، وأمّا علمه بالجزئيات والأشخاص والأحوال فحاصل بعد حدوثها لأنّ هذا العلم من التصديقات ، ويلزمه عدم سبق العلم . وقال أبو الحسين البصري من المعتزلة ، رادّا على السلف : لا يجوز أن يكون علم اللّه بأنّ القمر سيخسف عين علمه بعد ذلك بأنّه خسف لأمور ثلاثة : الأوّل التغاير بينهما في الحقيقة لأنّ حقيقة كونه سيقع غير حقيقة كونه وقع ، فالعلم بأحدهما يغاير العلم بالآخر ، لأنّ اختلاف المتعلّقين يستدعي اختلاف العالم بهما . الثّاني التغاير بينهما في الشرط فإنّ شرط العلم بكون الشيء سيقع هو عدم الوقوع ، وشرط العلم بكونه وقع الوقوع ، فلو كان العلمان شيئا واحدا لم يختلف شرطاهما . الثّالث أنّه يمكن العلم بأنّه وقع الجهل بأنّه سيقع وبالعكس وغير المعلوم غير المعلوم ( هكذا عبّر أبو الحسين أي الأمر الغير المعلوم مغاير للمعلوم ) ولذلك قال أبو الحسين بالتزام وقوع التّغير في علم اللّه تعالى بالمتغيّرات ، وأنّ ذاته تعالى تقتضي اتّصافه بكونه عالما بالمعلومات الّتي ستقع ، بشرط وقوعها ، فيحدث العلم بأنّها وجدت عند وجودها ، ويزول عند زوالها ، ويحصل علم آخر ، وهذا عين مذهب جهم وهشام . وردّ عليه بأنّه يلزم أن لا يكون اللّه تعالى في الأزل عالما بأحوال الحوادث ، وهذا تجهيل . وأجاب عنه عبد الحكيم في « حاشية المواقف » بأنّ أبا الحسين ذهب إلى أنّه تعالى يعلم في الأزل أنّ الحادث سيقع على الوصف الفلاني ، فلا جهل فيه ، وأنّ عدم شهوده تعالى للحوادث قبل حدوثها ليس